الشيخ محمد زاهد الكوثري
201
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )
عليه ، سبحانه وتعالى عما يشركون . ونحن براء إلى اللّه تعالى من جهلهم وبدعهم ، ونقول : إن مذهب أهل السنة والجماعة الذي ندين اللّه تعالى به أنه لا يتحرك متحرك ، ولا يسكن ساكن ولا يطيع طائع ، ولا يعصى عاص ، من أعلى العلى إلى ما تحت الثرى إلا بإرادة اللّه تعالى ، وقضائه ومشيئته . ويدل على صحة ما قلناه الكتاب والسنة وإجماع الأمة وأدلة العقل . فأما الكتاب : فأكثر من أن يحصى ، لكن نذكر منها ما فيه الكفاية ، ويدل العاقل على نظائره من أدلة الكتاب ، فمن ذلك قوله تعالى : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ( 118 ) [ هود : 118 ] إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ [ هود : 119 ] وهذه الآية أوضح دليل وأقوم حجة من وجوه عدة : أحدها : أنه أخبر تعالى أنه لو شاء وأراد لجعل الناس كلهم أمة واحدة على الإيمان أو على الكفر والضلال ، وهذا خلاف قول المعتزلة ، لأنهم يقولون : إنه ما أراد إلا كونهم أمة واحدة على الإيمان ، بطل قولهم ببعض هذه الآية . الثاني : أنه قال : وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ [ هود : 118 ] إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ [ هود : 119 ] فأخبر تعالى أنه خلقهم لما أراد من اختلافهم ، وأنه لم يرد أن يكونوا أمة واحدة . الثالث : قوله تعالى : إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ [ هود : 119 ] فأخبر تعالى أن منهم من رحمه وأراد رحمته دون غيره ، فصحّ أنه لا يكون من عباده ولا يجري في ملكه إلا ما أراده وقضاه وقدره . ويدل عليه أيضا قوله تعالى : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً [ الأنعام : 125 ] فنصّ تعالى على أن الهدى بإرادته ، والضلال بإرادته ، وهذا نص واضح لا إشكال فيه . ويدل على صحة مذهب أهل السنة والجماعة قوله تعالى : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [ الأعراف : 179 ] وجه الدليل : أنه تعالى خلق من الجن والناس قوما ليدخلوا النار ويكونوا أهلا لها ، ولا يكونون أهلا لها إلا بالكفر والطغيان والعصيان ، فعلم أن جميع ذلك بإرادته وقضائه وقدره . ويدل عليه أيضا قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الأنعام : 111 ] فأخبر تعالى أن الحجج والآيات لا تنفع ، وإنما تنفع المشيئة التي تتم بها الأشياء ، فمن شاء إيمانه آمن ، ومن شاء كفره لم يؤمن .